منتدى ضفاف لدراسات الوسائط وفنون العرض فضاء أكاديمي وثقافي يهتم بالبحث في تقاطعات الوسائط الحديثة وفنون العرض بمختلف أشكالها. كما يهدف المنتدى إلى تعزيز الحوار، وتبادل الخبرات، وتشجيع الدراسات النقدية الراصدة للفعل الإبداعي المعاصر، وتتبع بذور الخلق والمحاكاة، بما يساهم في إغناء الرصيد النقدي في حقل الفنون البصرية والأدائية.
ونظرا للأولوية التي يحظى بها الإنتاج النقدي في مشروع المنتدى، فقد عملت على توثيق المداخلات العلمية المقدمة في الندوة الدولية: الكتابة في السياق الإعلامي، بين أدبية التخييل والافتراض الرقمي، المنظمة بتاريخ يونيو 2024، وذلك بشراكة مع كلية اللغات والآداب والفنون بجامعة ابن طفيل، المملكة المغربية، عبر إصدار مؤلف جماعي شامل في طبعته الأولى، عن دار نشر سليكي أخوين، طنجة، في شتنبر 2023. وفيما يلي نص مقدمة الكتاب:

استفاد الإعلام والاتصال من تحولات صناعة الخبـر وبناء مواده وتداخل أجناسه وانخرط بشكل آلي في مسار تكنولوجـيا الوسائـط «Technologie Des Médias»، وأضاف للروافد التقليدية للإخبار آليات جديدة لإعداد مواد متعددة الوسائط ونشرها، فباتت أقرب إلى الجماليات «Esthétique» منها إلى التحرير والتقرير الإخـباري. وفي مقـدمة الأشكـال التي نحتـت لنفسها شكلا متجددا نجد ما يطلق عليه بالقصة الخبـرية، والقـصة المـصورة، ضمـن أسلوب السرد البصري، مستثمرة الإمكانات التي وفرها تداخل وسائل النشر الرقمي مع تقنيات صناعة الخبر من جهة، وطبيعة الإعلام الجديد المنتج له من جهة ثانية، وخصوصية التلقي من جهة ثالثة. ومن تم نكون أمام الأسئلة المركزية التالية: عن أي مادة خبرية نتحدث؟ وما مساحة الإبداع في صناعتها؟ وما طبيعة المساحات الناشرة؟
إن طرح هذه الأسئلة في فضاءات صناعة الخبر ومؤسسات نشره اليومي/الدوري لا يطرح أي إشكالات منهجية أو معرفية، باستثناء النقاش المهني الدقيق، لكن عندما تصاغ في الفضاء الأكاديـمي تكون دلالتها أعمق، بحكم اقتران الجامعة بالبحث وتعميق النظر على مستويات متعددة، من البنية إلى التلقي، خاصة وأننا إزاء قضية باتت تجد لنفسها موطئ قدم إلى جانب قضايا الخطابات الأخرى ذات “الشرعية” الإبستمولوجية، كالأدب، والفنون، والفلسفة، وباقي العلـوم الإنسانية الأخرى.
في سياق هذا التحول، ومحاولة لترسيخ التقاطعات بين مختلف الإبداعات، وفي مقدمتها الكتابة بين حقلي الإعلام والأدب، نظم الماستر الجامعي المتخصص في الإعلام الجديد والتسويق الرقمي ندوة دولية بعنوان: “الكتابة في السياق الإعلامي، بين أدبية التخييل والافتراض الرقمي“، بمشـاركة معهد الجزيرة للإعـلام، من خلال تمثيلية كل من الإعلاميين العربيين: الأستاذ منتصر مرعي، مدير المبادرات الإعلامية، والأستاذ محمد أحداد، عضو هيئة التحرير، وبتنسيق مع منتدى ضفاف لدراسات الوسائط وفنون العرض، وذلك يوم السبت 18 مارس 2023 بجامعة ابن طفيل، القنيطرة، بالمغرب.
وقد ناقش الباحثون والإعلاميون والطلبة المشاركين في هذه الفعالية، من المغرب وخارجه، ثلاثة محاورَ علمية تتقاطع مع راهن الأسئلة المطروحة على الكتابة في البيئة الإعلامية، في ظل تحولات تقنياتِها ووسائطِ صياغتِها ونشرِها، وهي:
- تجارب إبداعية في الكتابة الصحافية.
- القصة الخبرية … من الهرمية إلى الافتراض.
- الجمهور التفاعلي والكتابة بخطوط متشابكة.
وشددت اللجنة العلمية خلال تنسيق أعمال الندوة على ضرورة نشر أشغالها بين دفتي هذا الكتاب، سعيا منها، بالدرجة الأولى، إلى توثيق الطروحات والعروض، والآراء النقدية التي احتضنتها هذه التظاهرة البحثية. إذ انقسمت المداخلات العلمية إلى شقين رئيسين، الأول يتعلق بالأوراق العلمية للباحثين والخبراء المشاركين في الجلسات الثلاث الأولى التي أحاطت بمحاور الندوة، والتي ساهم فيها كل من الأستاذ الباحث الدكتور محمد الزوهري بدراسة موسومة بـ: “تجارب إبداعية في الكتابة الصحفية”، أما الباحث في الوسائط الدكتور كريم بابا، فقد جاءت ورقته بعنوان بـ: “تجاذبات الكتابة الإعلامية بين هوية النص وأفق الإمتاع”، فيما تطرق الباحث في الإعلام الدكتور محمد كريم بوخصاص، لقضية في الموضوع تحت عنوان: “الابتكار في السرد القصصي: القصة الخبرية نموذجا”. وليس بعيدا عن قضية السرد الصحافي، فقد تناول الباحث والإعلامي عبد الصمد جطيوي موضوع القصة في حقل الإعلام من وجهة نظر وَسَمَهَا بـ: “القصة الخبرية من الهرمية إلى الافتراض”. أما الورقة الرابعة في هذا المؤلف، فقد جاءت في صيغة استفهامية تُسَائِلُ جدوى البناء التقليدي للخبر الصحفي كما يلي: “هل “الهرم المقلوب” لا يزال ضروريا في الكتابة الصحفية الرقمية؟”، من إعداد الباحث والإعلامي المغربي إسماعيل عزام، فيما تتبع الإعلامي والباحث أنور لكحل قضية الكتابة من زاوية تواصلية عنونها بـ: “الكتابة الإعلامية في العصر الرقمي: الثابت والمتحول”.
كما تم الاستماع لعروض وقراءات علمية أنجزها الطلبة الباحثون في الماستر حول مقالات ودراسات بكتاب “السرد الصحافي” الصادر عن معهد الجزيرة للإعلام سنة 2022، وذلك بهدف ربط الباحث في مجال الإعلام بالروافد المتعددة للإبداع، وفي مقدمتها التخييل الأدبي والفني، تحقيقا لأهداف علمية متعددة، من أهمها تمكين الباحثين في هذا المجال من متون أدبية وأشكال بنائية ومنهجية تساهم في تثوير العمل الصحافي بشكل خاص، والإعلامي عامة، وأهداف مهنية، تساعد على تمتين التكوين الصحافي وجعله يقاوم سرعة تقلبات مناخ صناعة الخبر ونشره.
وقد عرفت الندوة، تكريسا لهذه الأبعاد المتداخلة، فقرة احتفاء وتكريم للأستاذ الجامعي الدكتور محمد قاسمي، رئيس مختبر الدراسات اللسانية والأدبية وعلوم الإعلام والتواصل، مؤسس أول شعبة وطنية في علوم الإعلام والتواصل سنة 2007 بكلية الآداب والعلوم الإنسانية سايس-فاس، جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، إلى جانب تكريم ثان للأستاذ والباحث في الدراسات المسرحية الدكتور أحمد الغازي، مؤسس الدرس الجامعي في حقل المسرح بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة.
وإجمالا، يمكن اعتبار هذا الإصدار، بما يحمله من مقومات علمية وثقافية ومعرفية، بمثابة تأكيد على ضرورة السير في خيار انفتاح الجامعة على الحقول الجديدة، خاصة المقترنة بالصورة، والانخراط التلقائي في دعم تأسيس تكوينات ذات مردودية على مستوى الإنتاج الصناعي، والرهان في الآن ذاته على قدسية الحفاظ على التقاليد الجامعية وضوابطها العلمية المتعارف عليها وطنيا ودوليا، بما يسمح بتمكين الطالب المغربي من آليات التحليل والإبداع في الوقت نفسه.
د. كريم بابا
القنيطرة 21/11/2023
