منتدى ضفاف لدراسات الوسائط وفنون العرض فضاء أكاديمي وثقافي يهتم بالبحث في تقاطعات الوسائط الحديثة وفنون العرض بمختلف أشكالها. يهدف المنتدى إلى تعزيز الحوار، وتبادل الخبرات، وتشجيع الدراسات النقدية والإبداعية التي تساهم في تطوير الفنون البصرية والأدائية داخل السياق المغربي والعربي، وتتبع الراهن البحثي والإصدارات الفكرية والنقدية في حقل الدراسات الوسائطية.

ونظرا للقيمة العلمية التي تحتلها الدراسات والأبحاث في جميع المجالات والحقول المعرفية والمهنية، أطلق المنتدى مجلته العلمية “الوسائطية”، مع ملاءمتها قانونيا، وذلك رغبة منه في إغناء البحث العلمي محليا وعالميا، وإشاعة منه للحس النقدي في حقل الدراسات الوسائطية، لما لهذا الموضوع من راهنية وصلت درجة الإشباع الكمي في منصات النشر والتواصل بشكليها التقليدي والرقمي، وعلى مستويي المعرفة العالمة والعامة.

وفيما يلي ورقة مؤطرة للمجلة:

في بداية الألفية الثالثة كان الحديث عن الوسائط والرقمنة والفنون البصرية الجديدة يحتاج تأطيرا مفصلا وخلفية فكرية ومعرفية مسنودة بتراكم عملي وإنتاج نقدي يزكي ما تسعى العبارة إلى نقله والتفاعل من أجله، بل الدفاع عنه في غالب الأحيان، نظرا لبداية الاحتكاك بين التناظري «Analogique» والرقمي «Numérique»، فكان النقاش عربيا بين المهتمين، وإن بشكل محتشم وغير مُدْرَك نظريا، حول ما هي المدرسة الأقرب إلى الدقة في مقاربة هذا الموضوع المستجد؟ هل هي الفرنكفونية (مغاربيا) أم الأنغلوساكسونية (مشرقيا)؟ وهو ما نجده في تجليات أنواع الخطابات بين ضفتي أهل الضاد. واستمرت الأسئلة حول كيف يمكن ولوج تلك العوالم بمناهج وآليات استُنْبِتَت في بيئات التفكير الاستقطابي “المنغلق” والخائف على الذات من “الذوبان”، بالمعنى المجرَّد؟ ناهيك عن انتشار قضية “النظرية” الخاصة بالجنس الإبداعي واعتبارها مقدمة القراءة والتحليل … كل تلك الأسئلة وغيرها، كانت تشغل الباحثين بشكل مستقل تزامنا مع توسع المؤسسات الجامعية وبدايات تبلور فكرة المختبر بمعناها المعاصر، إذ كان البحث الجامعي لا يخرج عن قواعد الاشتغال التي توافق تلك اللحظة، ولا زال جزء كبير منها هي المحدد لأدوات البحث ولعلاقة الباحث بالمسؤول عن بنياته، في فترة كانت الشُعَب «Départements» تعبيرا منسجما عن تلك المرحلة، باستثناء المبادرات الفردية التي خاض غمارها كتاب وباحثون “هاجروا” لسانيا وثقافيا ونقلوا للغة الضاد حقولا معرفية ومنهجية من لغات أخرى، فكانوا صلة الوصل بيننا وبين إبداع الآخر، في زمن كان فيها النص المكتوب هو الوسيط الوحيد.

أما ونحن في منتصف العقد الثالث من الألفية، وما تشهده من تطور متسارع يصعب قياسه بموازين التحليل التي امتلكناها في زمن الحدود بين الأجناس، واختراق التقنية الرقمية لكل مجالات الفعل البشري، من: صناعات طبية، وحربية، وتدبير إداري، وتبادل تجاري، دون أن نغفل الحقل المعرفي الذي نحن بصدد الحديث عنه وهو حقل الصورة بمختلف الخطابات المنتجة لها، سواء في الإعلام، باعتباره مضمونا إخباريا، أو وسائله الحاملة لخطابات متعددة: تشكيليا، ودراميا، وتربويا، وأكاديميا، وثقافيا، …. فجاءت الوسائطية «Intermedialité»، إذن، نتيجة طبيعية لتلاقح تلك التخصصات في زمن يدعو إلى التشبيك بين الدعامات والمتون بفعـل التحول الجذري في طبيعة المواد والأجهزة على السواء، و”إرغام” التقليدي منها على “التأقلم” «Adaptation» مع السياق المتجدد. ويمكن هنا الاستشهاد بدور الصناعة في هذا الأمر، بحكم البعد الاقتصادي الذي يحكم تصورها للمادة، وعملها الدائم على هدف توفير البضاعة وتسويقها، حتى وإن كانت ذات طبيعة فكرية أو فنية أو غيرهما، وهذا ما يفسر الاستعمال المفرط لمعاجم تعبر عن اتجاهات إبداعية تحمل جينات الانتقال «Transfert» والتحول «Développement» من قبيل: صناعة المعرفة، صناعة الثقافة، صناعة المحتوى الرقمي، التعليم الرقمي، الأدب الرقمي، المسرح التفاعلي، الويب دوك، الهاتف الذكي، الميديا، التواصل عن بعد …

أليست صناعة “الكابل” «Cable» وتسويقه كَمَّا وكيفا في مرحلة قريبة، وتحوله إلى ضرورة في حياتنا، ثم الاتجاه إلى التخلص من عبئه المادي «Physique»، باعتباره وسيطا إلكترونيا، خير مثال على هذا البعد الوسائطي الذي نحن بصدد الحديث عنه؟